|
|
|
|
 |
 |
 |
|

|
اخبر صديق
نسخة
منسقة للطبع
الثقافة الصحراوية جسر تواصلنا مع الماضي
29/05/2008
بقلم: حمه المهدي البهالي
|
يرى الانثروبولوجيون أن الثقافة هي "ذلك الكل المركَّب المعقَّد الذي يشمل المعتقدات والمعلومات والفن والأخلاق والعرف والتقاليد والعادات وجميع القدرات الأخرى التي يستطيع الإنسان أن يكتسبها بوصفه عضواً في المجتمع " ومن خلال هذا التعريف يمكن أن نطرق باب الثقافة الصحراوية التي هي مرآة المجتمع الصحراوي المعبر عنه والوعاء التاريخي والرصيد التراثي والمعرفي الذي تستمد منه الأجيال الصحراوية المتلاحقة مصدر تميزها وشخصيتها الثقافية والحاضن لها من الذوبان في الثقافات الأخرى ودعامة صموده في وجه أعاصير الفتن ومحاولات طمس الهوية وتتشكل هذه الدعامة من الموروث الاجتماعي والثقافي للذات الصحراوية والقيم الإيجابية التي تتأسس عليها هذه الثقافة من صفات العزة والإباء والكرم والتكافل وحسن الجوار, الذي ارشد إليه الإسلام وجرت به العادة في هذا المجتمع الصحراوي .
والثقافة الصحراوية ثرية جدا ارتوت من مورد العروبة العذب و معين الإسلام الذي لا ينضب فالشعب الصحراوي مسلم عربي ولم يعرف الأقليات الدينية فشكل ذلك لديه ثقافة موحدة تظل تحتها كل الصحراويين ولا يزال يتمسك بها تمسكا شديدا وتتمثل في الموروث الاجتماعي والثقافي للأجداد من خلال العادات والتقاليد والتعاليم الدينية الإسلامية واللباس والحرف التقليدية والعلاقات الاجتماعية واللهجة الخاصة والعرف وغيرها من مميزات هذا الشعب التي تراكمت عبر التطور الذي رافق مراحل وجوده, ودونته الذاكرة الصحراوية بلسانها الحساني الملون بالفنون الأدبية الشعبية المعروفة من شعر ونثر ومثل وحكمة أو عن طريق الحكايات والقصص والأحاجي الشعبية أو العادات والمظاهر التقليدية المحافظ عليها حتى اليوم.
فالمجتمع الصحراوي يتكلم اللهجة الحسانية ويدون من خلالها الشعر الحساني تاريخ وأمجاد الشعب الصحراوي ويتناول أحواله وتطلعاته وفق نفس أغراض الشعر العربي من حكمة ورثاء ومدح وهجاء إلا أن الشعر الحساني يتميز ببحوره الخاصة الممثلة في بعمران, مريميدة, الصغير, لبير, البتيت الناقص, لبتيت التام .. وهذه الأشعار الحسانية دونت وأرخت لملاحم وبطولات الأجداد والتي لم تدون في دواوين خاصة وإنما بقيت في الصدور تتناقلها الأجيال وتحفظها... ونلمس ذلك متجدد في قصائد الشعراء المعاصرين من أمثال بيبوه واحمد بادي وغيرهم ممن يؤرخون بأشعارهم للماضي, رغم الطابع الثوري الذي يكسي هذه الأشعار لطبيعة المرحلة والاحتلال.. وكذلك يتميز الصحراويون بلباسهم التقليدي الخاص بهم فمثلا يلبس الرجال في الغالب "الدراعة" وسروال "ستم" وهي اللبسة التقليدية المفضلة أما النساء فيلبسن الملحفة وبها تتميز المرأة الصحراوية, وهذا هو اللباس الغالب حتى اليوم على الطابع العام في المجتمع الصحراوي. سواء في المناطق المحتلة او في الملجىء .
أما من ناحية العادات والتقاليد المتعلقة بالمجتمع كالزواج والعلاقات الاجتماعية والعقيقة وأسلوب التحية والكلام والنظام الاجتماعي الذي تضبطه العادات والأخلاق والخوف من العار, فيتميز المجتمع الصحراوي في الغالب عن باقي المجتمعات الأخرى ـ عدا الجارة موريتانيا التي يشاطرها الصحراويون الكثير من العادات والتقاليد الخاصة بمجتمع "البيظان" ـ بنظام فريد لا يتسع المقام لبسطه وإنما نكتفى بلمسات عامة .
فالزواج مثلا في المجتمع الصحراوي له نفس شروط وأركان النكاح في الإسلام إلا انه تميزه العادات الصحراوية ببعض العوائد حيث يتم العرس عند أهل العروس بخلاف بعض المجتمعات ويتخلله بعض الطقوس الخاصة بالمجتمع كاختيار العريس لمساعد يسمى "اوزير", وكان في السابق يدوم سبعة أيام إلا انه في الوقت الحالي لا يتجاوز يومين يتكفل أهل العروس باليوم الأول وأهل العريس باليوم الثاني, بالإضافة إلى إعلان العقد بالفرح والسرور بعد عقد النكاح الذي يعقده القاضي .. وكذلك عادة البند وهي عبارة عن قماش ابيض يتجاذبه أهل العريس والعروس أيهم يثبت الغلبة وينتزع البند من الآخر, وهي عادة قديمة الغرض منها التسلية والدعابة وإظهار الفرح في التنافس لكنها بدأت تختفي في بعض الأعراس في الحاضر، وغيرها من العادات الأخرى ..
أما العقيقة او"لسم" فهي سنة, يحافظ عليها المجتمع الصحراوي, اتباعا للهدي النبوي وتقام في اليوم السابع للمولود، حيث يذبح فيها ويختار اسم للمولود من مجموعة من الأسماء يقرع بينها وتجتمع العائلات الصحراوية في هذه المناسبات في جو من الفرح والتكاتف الاجتماعي المنقطع النظير .. بالإضافة إلى اهتمام المجتمع الصحراوي بجماليات الزخرفة والرسم على الجلود وتنميقها حتى أصبحت هذه الحرفة من اختصاص فئة صحراوية مختصة تمتهن صباغة الجلود وتجميلها مبرزة البعد الثقافي والتاريخي والديني للمجتمع الصحراوي ومحافظة على خصائص ومميزات الهوية الصحراوية من خلال هذه الزخارف واللوحات التعبيرية الجلدية التي تتنوع وتلبي الكثير من حاجيات المجتمع الصحراوي, وخصتها الدولة الصحراوية بمتاحف ومعارض في كل الولايات تستقبل الزوار وكل من يريد التعرف على الثقافة الصحراوية... لأنها أصبحت مرجع مهم لتاريخ وثقافة الشعب الصحراوي .. القصة والحكاية في الثقافة الصحراوية: تبرز القصة والحكاية الصحراوية من خلال الحكايات والقصص الشعبية التي تبين ما وصل إليه العقل الصحراوي من الفكر والخيال التعبيري الذي استطاع أن يعالج ويتناول قضايا المجتمع وواقعه المعاش من خلال القصص والحكايات والأحاجي التي تحمل هموم وتطلعات المجتمع ويتناولها بأساليب تختلف بين الحكمة والعبرة والتشويق والإثارة والفكاهة .. مثل حكايات "شرتات" و"جحا" التي يغلب على طابعها الطرافة والمزاح والترويح عن النفس، وهي حكايات أسطورية نسجتها المخيلة الصحراوية مستوحية مشاهدها وعقدها من الواقع بأسلوب فكاهي يفرض نفسه.. وكذلك نجد بعض الحكايات تجري على لسان الحيوانات كما هو الحال في قصص "القنفد والأسد"و"القنفد والذئب" " قصة القمرة" وتؤم المعز "عازة ومعيزيزة وأخوهم الريقط" وهذه كلها قصص تبين كيف ينتصر الحق دائما على الباطل في النهاية مصورة الحق في الذكاء والحيل والباطل في الغفلة والغباء الذي يقتل صاحبه ويتجلى ذلك في واحدة من هذه القصص حين يتقمص القنفد دور القاضي ويختصم الذئب والأرنب في العجلة التي ادعى كل واحد منهما أنها له والطريقة الذكية التي يحل بها القنفد العقدة بأسلوب مقنع"كولها لك وأعطي للنيرب عجلتها", وقصة "الأسد والثيران الثلاثة" وتبين كيف يجر الأسد بمكره الثيران الثلاثة الى الموت حين يستغل اختلاف ألوانهم للكيد لهم وتختصر هذه القصة في المثل العربي "أكلت يوم أكل الثور الأبيض " والتي تحذر دائما من الانجرار وراء الثقة الزائدة بالدخيل وكذلك "بوعشرين اظفر" الذي يمثل للصغار انه شبح مخيف بحيث يخوفون به قبل أن يدركوا معناه الحقيقي الذي يقصد به وهو الإنسان فمن منا ليس له عشرين ظفر.. وهي قصص تشبه في فكرتها وأسلوبها قصص الفيلسوف الهندي "بيدبا" التي ترجمها الى العربية ابن المقفع في كتابه " كليلة ودمنة " التي تجري أحداثها على اللسنة الحيوانات ويرمي من خلالها الى إيصال قيمة اجتماعية أو سياسية أو غيرها ... كذلك نجد من قصص الحمقى والمغفلين قصة ديهنون وديهنونة ومغامراتهم الدرامية التي تفضي بهم الى خسارة كل شيء بسبب ضعف العقل وغياب الفطنة والذكاء عن حياتهم وقصة "باعمارة" التي تحمل توجيهات للأحمق الذي لا يدرك قيمة الإنصات والاتعاظ خاصة عندما يكون قادم الى قوم لا يعرفون عنه الا الخير وأصبحت هذه القصص مثل يضرب للأحمق الذي لا يعي التوجيهات ولا ينتبه للنصائح ومن روائع القصص الصحراوية المشوقة قصة "اسريسر ذهبو" المشوقة والتي تعتمد على الإثارة تحكي قصة فتاة لها سبعة إخوة يغادروا بسبب الفرح الشديد للخادمة الذي سبب رحلة شقاء "اسريسر ذهبو " حين رفعت الخادمة الراية الحمراء التي تدل على أن المولود ذكر بخلاف البيضاء التي كان المناسب رفعها للدلالة على أن المولود ذكر واللسان الذي ظل يذكر الخادمة بمنزلة "اسريسر ذهبو" الشريفة, وكيف تنقلب الأحوال وتصبح الخادمة سيدة واسريسر ذهبو خادمة والاستقبال الذي تحظى به الخادمة وكيف تمتزج الخرافة بالحقيقة في الصفعة التي تؤدي الى نزيف دم الخادمة الذي تكشف من ورائه الحقيقة ويتبين أنها هي الأخت الحقيقية وبعيدا عن الخيال نجد من الواقع قصة "هدارة" الولد الذي عاش مع النعام وهي قصة واقعية لا يزال أحفاد بطلها حتى اليوم على قيد الحياة حيث استطاع أن يتأقلم مع الواقع الذي فرض نفسه في العيش مع النعام وهي تشبه القصص العالمية للأطفال الذين تربوا في أحضان الغابة وبرعاية من حيوانات كقصة الطفلة الهندية "كاملا " التي تاهت في الغابة وتربت مع القردة و قصة "حي بن يقظان " لابن الطفيل وقصة "طرزان" و"ماوكلي" تروي معاناة وتيه في الظلام ليضي النور في نهاية النفق وينجح بطل القصة في التأقلم مع واقعين يصبحوا جزء من حياته .
فالثقافة الصحراوية ثرية جدا, لكن للأسف لم تدون ومع مرور الزمن واندثر وضاع الكثير من تاريخ هذا الشعب وثقافته بسبب التفريط .
-------------- تعليقات القراء: --------------
31/05/2008 11:23:46 حدي الكنتاوي لا يمكن للماضي ان يندثر ... سلام لطالما كانت الثقافة جسر بين الشعوب اللغة التي تغارب اكثر من اية لغة اخرى خاصة اذا كانت لغة البيضان بكل تجلياتها وبكل شجونها التي لايمكن لائي زائر لها الا وان تاسره اخي الكريم الثقافة جسر متين ومنيع وهي دائما عنصرا مهما من عناصر الضبط الاجتماعي الضرورية لتكوين شخصية متميزة غنية وثرية للكل شخص معنوي وخاصة الوطني فنحن بحاجة اليها والى كل ما هو ضروري من اجل الحفاظ على بعدنا الحضاري والانساني الذي لا يمكن لاحد مهما تطاول وتعلى من اجل الدوس عليه لايزيده ذالك الا شموخا وعلى شكرا للكاتب موضوع في مستو القضية واسلوب في مستوى الحدث هكذا يجب ان تكون اخي الكريم حمة دائما متالق في نظرةك الثاقبة وتحليلك السليم ومواضعك الهادفة التي تطرق اعماق الشخصية الوطنية لتضع يدك على الجرح دون ان يشعر الجريح شكرا وسلام تحية مني اليك والى مزيد من الابداع والتقدم في السرح الثقافي
---------------------------------
30/05/2008 00:35:50 ابو علية / العيون المحتلة ثقافتنا هي ماضينا ومستقبلنا الحمد لله حق حمده على هذه البشائر التي اصبحت أسمعها هذه الأيام رغم طول انتظار. إن مقال الأخ الكريم حمه المهدي البهالي والمقال الذي سبقه للأخ محمد المتوكل تحت عنوان: في أحضان الفضاء الرحب، وتصريح الأخت خديجة حمدي ،وزيرة الثقافة،حول ضرورة الإهتمام بالثقافة الصحراوية، و مشاهدتي اليوم والأمس لأولى الصور التجريبية للفضائية الصحراوية .......كلها أخبار تتلج الصدر وتبعث في النفس مزيدا من الروح وتؤكد جدلية العلاقة بين الموضوع الإعلامي والثقافي. كل ما أريد أن أقوله بأختصار في هذه المقام هو أننا سنترك لأجيالنا الإحتفال بالذكرى المليون لدخول الإعلام الصحراوي إلى الفضاء الرحب إذا كان اهتمام المولود الجديد-الفضائية الصحراوية- سينصب بشكل كبير على الثقافة الصحراوية بنفس درجة اهتمامه بما هو سياسي. وإذا كنا بسبب تفريطنا أحيانا ولا مبالاتنا أحيانا قد أضعنا الكثير من رموزنا الثقافية فإن أرشيف التللفزة الصحراوية مطالب اليوم أن يكون مخزنا ثريا لكل ما من شأنه إبراز غنى هذا المجتمع الصحراوي. أخيرا أخبركم أنني خلال زيارتي الأخيرة لمخيمات العزة و الكرامة اجتهدت في البحث عن أناس ساهموا بشكل كبير في نهضة هذا الشعب ،على غرار أبطال جيش التحرير الشعبي الصحراوي الأشاوش، وهم الفنانون الصحراويون. ففرقة الشهيد الولي و الشاعر الكبير بيبوه و الفنانة مريم منت الحسن و الفنانة ام ادليلة و الفنانة أشويطة وفرقة الشهيدة النعجة والفنان الناجم عيلال وغيرهم كثير، هم رموز من رموز هويتنا وثقافتنا والإهتمام بهم وتكريمهم مهمة أخرى منوطة بإعلامنا المرئي قبل أن يفوت الأوان.
|
|
|
هل ترغب في
التعليق؟
|
 |
  |
|
 |
 |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|